السعيد شنوقة

154

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

بمعنى العلم مقتصرا على أحد مفعولين فيقولون : أعلم ما في نفسك ، ولهذا قال تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ [ المائدة : 116 ] . وإذا قال الخصوم : إن العلم هاهنا بمعنى المعرفة ؛ ولذلك جاز الاقتصار على أحد مفعولين . اكتفى بهذا الجواب ولم يزد عليه « 1 » . وقد أشار بعض الدارسين « 2 » أن هذا الرد يتضمن ثلاث وسائل لغوية : الأولى : الرؤية بمعنى العلم على مفعول واحد توسّع ومجاز ، وحجة ذلك أن الهمزة إذا دخلت على الفعل المتعدي إلى مفعولين تعدّيه إلى ثلاثة مفاعيل ، ولكنها قد تدخل عليه ويعدّى إلى مفعولين فقط بدليل قوله تعالى السابق : وَأَرِنا مَناسِكَنا الآية . الثانية : الرؤية كالعلم لذا فإنه قد يعدّى الفعل ( علم ) إلى مفعول واحد ، فعلى هذا جاز أن يعدّى الفعل ( رأى ) بمعنى ( علم ) إلى مفعول واحد . ولما قال الخصوم للمعتزلة : إن العلم في قوله تعالى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ الآية . بمعنى المعرفة ، ولهذا عدّي إلى مفعول واحد ردّوا باللجوء إلى وسيلة ثالثة . الثالثة : قالوا : إن الرؤية في الحديث الشريف بمعنى المعرفة أي ( سترون ربكم ) بمعنى تعرفون ربكم كما تعرفون القمر ليلة البدر ، فلا يجب أن يتعدى إلى مفعولين . وقد استغل الزمخشري هذا المعنى فوظف الرؤية بمعنى العلم والمعرفة حين فسر قوله تعالى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [ الأعراف : 143 ] مستشهدا بالحديث الشريف ، فقال : ( انظر إليك ) : « أعرفك معرفة اضطرار كأني أنظر إليك كما جاء في الحديث : « سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر » « 3 » بمعنى ستعرفونه معرفة جليلة هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى » « 4 » .

--> ( 1 ) انظر شرح الأصول الخمسة ، ج 1 ، ص 194 . ( 2 ) انظر د . نصر حامد أبو زيد ، الاتجاه العقلي في التفسير ، ص 204 ، 205 . ( 3 ) روي الحديث في جامع الترمذي رقم 2612 : « عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تضامون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ وتضامون في رؤية الشمس ؟ قالوا : لا . قال : « فإنكم سترون ربكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ، لا تضامون في رؤيته » . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح غريب . ( 4 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 116 .